العالم يستهلك الكهرباء بوتيرة متسارعة.. هل يبدأ عصر المفاعلات النووية؟
يدخل العالم مرحلة جديدة من الضغط على أنظمة الطاقة، مع تسارع الطلب على الكهرباء بفعل توسع الصناعة ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والسيارات الكهربائية والتكييف، بالتزامن مع اضطرابات أسواق الوقود والتوترات الجيوسياسية التي رفعت تكلفة إنتاج الكهرباء في عدد من الدول.
وتشير التوقعات إلى استمرار نمو الطلب العالمي على الكهرباء خلال السنوات المقبلة بوتيرة قوية، ما يضع الحكومات أمام تحدٍ متزايد لتوفير إمدادات مستقرة وقادرة على مواكبة الاستهلاك المتسارع.
وسط هذه الضغوط، تعود الطاقة النووية بقوة إلى النقاش العالمي، بعدما كانت دول عديدة تتجه خلال العقود الماضية إلى تقليص الاعتماد عليها. وسجل إنتاج الكهرباء النووية مستويات قياسية، مدفوعًا بإعادة تشغيل مفاعلات قديمة ودخول قدرات جديدة إلى الخدمة، خاصة في الصين ودول آسيوية أخرى.
وتبلغ القدرة النووية العالمية نحو 420 غيغاواط، موزعة على مفاعلات عاملة في أكثر من 30 دولة، بينما تتواصل عمليات بناء مفاعلات جديدة ضمن خطط تهدف إلى تعزيز أمن الطاقة وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
لماذا تعود المفاعلات إلى الواجهة؟
الميزة الأساسية للطاقة النووية أنها تستطيع إنتاج كميات ضخمة من الكهرباء بصورة مستقرة وعلى مدار الساعة، دون الاعتماد على توفر الشمس أو الرياح، وفي الوقت نفسه بانبعاثات كربونية منخفضة مقارنة بمحطات الفحم والغاز.
ولهذا تنظر دول عديدة إلى المفاعلات باعتبارها جزءًا من الحل وليس بديلًا وحيدًا لمصادر الطاقة الأخرى، ضمن مزيج يجمع بين الطاقة النووية والمتجددة والغاز وتقنيات تخزين الكهرباء.
وتقود الصين جانبًا كبيرًا من التوسع النووي الجديد، بينما تتجه دول أخرى إلى تمديد العمر التشغيلي لمفاعلاتها وإعادة النظر في خطط سابقة كانت تستهدف تقليص الاعتماد على الطاقة النووية.
النووي ليس حلًا سريعًا
رغم عودته القوية، يصطدم الخيار النووي بعقبات كبيرة، أبرزها التكلفة المرتفعة لبناء المحطات وطول الفترة اللازمة للتخطيط والإنشاء والحصول على الموافقات، إضافة إلى قضايا السلامة والتعامل مع النفايات المشعة.
ولهذا يتزايد الاهتمام بالمفاعلات النووية الصغيرة المعيارية، التي تراهن عليها حكومات وشركات تكنولوجيا باعتبارها أقل حجمًا وأكثر مرونة من المحطات النووية التقليدية.
وتكتسب هذه المفاعلات أهمية إضافية مع النمو الهائل لمراكز البيانات والذكاء الاصطناعي، التي تحتاج إلى كميات ضخمة ومستقرة من الكهرباء على مدار الساعة.
سباق مع الطلب
المشكلة التي تواجه العالم أن الطلب على الكهرباء لا ينتظر اكتمال بناء المفاعلات الجديدة، إذ يتوقع استمرار الزيادة الكبيرة في الاستهلاك العالمي حتى نهاية العقد، مع توسع الاقتصادات الناشئة وتسارع التحول الرقمي وانتشار المركبات الكهربائية ومراكز البيانات.
ويضع ذلك الحكومات أمام سباق بين سرعة نمو الطلب وقدرتها على إضافة محطات توليد وشبكات نقل وتخزين جديدة.
وبذلك، قد لا تكون المفاعلات النووية وحدها قادرة على إنقاذ العالم من «اختناق الطاقة»، لكنها تعود لتصبح جزءًا رئيسيًا من المعادلة.
فالسباق الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون حول اختيار مصدر واحد للطاقة، وإنما حول قدرة الدول على بناء منظومة تجمع بين النووي والطاقة المتجددة والغاز والتخزين وشبكات الكهرباء، بالسرعة الكافية لملاحقة عالم يتزايد تعطشه للطاقة عامًا بعد آخر.
